الانهيار الصغير في بورصة طوكيو، ارتياح سوق الأسهم الأمريكي ونظرة للأمام

تحركت الأسهم الأمريكية بالأمس نحو الارتفاع بفضل التأثير الإيجابي من ارتفاع الأسهم اليابانية في أعقاب التعليقات التيسيرية من نائب محافظ بنك اليابان أوشيدا، الذي تعهد بالامتناع عن رفع أسعار الفائدة عندما تكون الأسواق غير مستقرة. ارتفع مؤشر نيكاي للأسهم اليوم بأكثر من +1%، وارتفعت البورصات العالمية الأخرى، بينما انخفض الين بنحو -2%. وقال نائب محافظ بنك اليابان أوشيدا: "أعتقد أن بنك اليابان يحتاج إلى الحفاظ على التيسير النقدي مع سعر الفائدة في الوقت الحالي، مع التطورات في الأسواق المالية وأسواق رأس المال في الداخل والخارج المتقلبة للغاية". كانت الأسواق المالية في حالة من الاضطراب منذ الأسبوع الماضي عندما رفع بنك اليابان أسعار الفائدة بشكل غير متوقع، مما أدى إلى ارتفاع الين إلى أعلى مستوى في سبعة أشهر مقابل الدولار.

 

تعرضت بورصة طوكيو لانهيار صغير يوم الاثنين الموافق 5 أغسطس - حيث انخفض مؤشر نيكاي 225 بنسبة 12.4٪ - وهزت توابع ذلك الأسواق المالية في جميع أنحاء العالم. من بين أسباب هذه العاصفة، يستشهد العديد من المحللين باستراتيجية تداول شائعة جداً، وهي "تجارة المناقلة أو الفائدة – Carry Trade ". بم يتعلق الأمر؟

كان هذا المصطلح منذ فترة طويلة مرادفاً لـ "المال السهل" بالنسبة لبعض المتداولين المتمرسين. تعتبر هذه الإستراتيجية سهلة التنفيذ نسبياً، وتتكون من اقتراض عملة من دولة تطبق أسعار فائدة منخفضة أو حتى سلبية، مثل اليابان حتى وقت قريب، من أجل استبدالها بعملة من دولة ذات عائد أعلى (اليورو، الدولار) وبالتالي الاستفادة من فارق السعرين. وفي عالم المال، تمارس هذه العملية على نطاق دولي وبعملات. يقترض المستثمر أموالاً من دولة ذات أسعار فائدة منخفضة، مثل اليابان، ثم يستبدلها بعملة أخرى من دولة ذات أسعار فائدة أعلى، ليستثمرها بشكل نشط هناك. الهدف؟ اللعب على هذا الفارق في أسعار الفائدة لشراء الأصول في الأسواق المزدهرة، دون الاضطرار الى دفع سعر الفائدة الحالي.

 

ماذا حدث مع تجارة المناقلة في الأيام الأخيرة في اليابان؟ جاء إعلان البنك المركزي الياباني عن زيادة سعر الفائدة إلى 0.25% في 31 يوليو بمثابة مفاجأة. وهو المستوى الذي لم يتم الوصول إليه منذ عام 2008 والذي يشير إلى زيادات مستقبلية في الأسعار. نتيجةً لذلك قد ضاقت فجوة سعر الفائدة بين الين والدولار، والتي كانت ذات يوم تجعل تجارة المناقلة جذابة. أصبح الاقتراض بالين أكثر تكلفة، مما دفع المستثمرين إلى تصفية هذه التجارة بسرعة والتي "لم تعد منطقية"، كما علق جون بلاسار متخصص الاستثمار في شركة ميرابو. من جهته يؤكد فيليب جوجنهايم، رئيس الاستثمارات في بنك كريمر في جنيف، أن "المخاطرة التي يتم اتخاذها فيما يتعلق بالعملات الأجنبية ليست لها تبرير عقلاني". يوم الاثنين، أدى ارتفاع قيمة الين مقابل الدولار إلى تسريع هذه الحركة بشكل أكبر، مع ارتفاع الين بنسبة 2.94% في يوم واحد، ليصل إلى أعلى مستوى له منذ بداية يناير/كانون الثاني... ولم يؤثر هذا الارتفاع في قيمة الين فقط على الأسهم العادية: كما أنها كانت مضرة للأسهم اليابانية الموجهة نحو التصدير وتفسر سقوط مؤشر نيكاي، الذي تعتبر 60% من شركاته مصدرة، مثل تويوتا. إن التراجع عن تجارة المناقلة له عواقب تتجاوز السوق اليابانية. في الواقع، "لقد أتت تجارة المناقلة بثمارها من خلال شراء اليابانيين لسندات الخزانة الأمريكية في السنوات الأخيرة"، كما يؤكد فيليب جوجنهايم. لكن هذه الزيادة المفاجئة في سعر الفائدة لدى بنك اليابان قد يجعل من الصعب إعادة تمويل الديون الأمريكية، حيث يمثل المستثمرون الأجانب ثاني أكبر حاملي الديون الأمريكية.

 

من جانب الولايات المتحدة الأمريكية كانت ردة فعل المستثمرين على ارقام العمل الأخيرة تعتبر مبالغ فيها بعض الشيء ومطالبتهم بأن يعقد الفيدرالي اجتماعاً استثنائياً للتخفيض الفوري والمفاجئ لأسعار الفائدة أمر مبالغ فيه بشكل أكبر. الفيدرالي لا يميل عادةً الى التخفيض والتيسير المفاجئ الى في حالات الضرورة القصوى، حالات استغاثة وركود وأزمات فعلية وليس لمجرد ردة فعل مبالغ في تقديرها من قبل المستثمرين ولمجرد عمليات بيعية تدوم ليوم او يومين. ينبغي ان يحدث جفاف كبير بما يكفي في سوق الأسهم حتى يقوم بنك الاحتياطي الفيدرالي باجتماع طوارئ بهدف تخفيض الفائدة. بعد هذا الانكماش الصغير هدئ سوق الاسهم الامريكية بشكل ملحوظ بعد ان شهد عمليات بيعية كبيرة يوم الاثنين كردة فعل كبيرة على ارقام سوق العمل الضعيف، يعود ذلك الهدوء ايضاً الى تعليقات مسؤولين من الفيدرالي الامريكي تفيد بأن الفيدرالي على استعداد لتلبية رغبات السوق التيسيرية في حال احتاج الامر الى ذلك. الان بعد ان رأينا هدوء الاسهم الامريكية والعالمية وارتياح نسبي لدى المستثمرين، هل يمكن اعتبار هذا الهدوء مؤقت؟

 

بعد أسبوع مضطرب في الأسواق العالمية، ربما تكون أسوأ موجة بيع قد انتهت ولكن المستثمرين بحاجة إلى "إحكام السيطرة عليها في الوقت الحالي"، كما قال توني باسكوارييلو، رئيس تغطية صناديق التحوط العالمية في جولدمان ساكس. ولكن للإجابة على هذه الاشكالية سينبغي علينا ان نرى بيانات العمل، التوظيف وأرقام تعطينا صورة عن صحة الاقتصاد الأمريكي من الان حتى اجتماع اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة المقبل في 17-18 ايلول/سبتمبر. ان ارقام سوق عمل اسوء، من المتوقع ان تشكل ضغطاً على الفيدرالي بالتيسير النقدي بأكثر مما كان ينوي ان يفعل. حيث في مقابلته الاخيرة، وضح محافظ بنك الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول بأن المصرف المركزي يضع عتبة للتخفيض بمقدار ربع نقطة اساس في الاجتماع المقبل. ولكن من الان فصاعداً، خصوصاً بعد ارقام العمل القاضية الاخيرة، ان ظهور ارقام عمل سلبية ستشكل ضغطاً على مسار السياسة النقدية المتبع، ومن الممكن ان يميل المسار على ان يتم التخفيض في كل اجتماع مقبل من الاجتماعات الثلاثة المتبقية من الان حتى نهاية العام، ذلك المسار ان حدث، سيعطي الآرياحية التي كان يأمل بها حاملي الاسهم الامريكية منذ بداية العام ويشكل ميلاً للصعود والشراء بالنسبة لهم، خصوصاً وان رأينا ارقام الناتج المحلي الاجمالي وبيانات الآقتصاد اضعف من القراءات السابقة.

 

 

0 Comments

Other Articles