الاتجاهات الاقتصادية الحالية وتراجعات أسهم وول ستريت

تراجعت مؤشّرات وول ستريت الرئيسيّة بشكل كبير يوم الإثنين، وانخفضت مؤشّرات داو جونز الصّناعي بنسبة 2.17% وS&P 500 بنسبة 2.42%، وNasdaq المركّب بنسبة 2.77% مع انخفاض أسهم الشّركات الكبرى مثل Apple بنسبة 3.9%، وNvidia بنسبة 6.1%، وأسهم كل من Microsoft وAlphabet ما يقارب 3%.

 

ساعدت "قاعدة سام" “Sahm Rule” على التنبّؤ بالرّكود المحتمل من خلال النّظر في معدّلات البطالة. حيث تقوم القاعدة على مقارنة متوسّط ​​معدّل البطالة الحالي لمدة ثلاثة أشهر بأدنى متوسّط ​​خلال ثلاثة أشهر في العام الماضي. إذا كان المتوسط ​​الحالي أعلى بنسبة 0.5٪ من أدنى نقطة، يتم تفعيل القاعدة، مما يشير إلى ركود محتمل. سميت هذه القاعدة على اسم الخبيرة الاقتصادية السابقة في بنك الاحتياطي الفيدرالي كلوديا سام، وكانت بمثابة مؤشر موثوق للغاية للتنبؤ بالركود منذ عام 1970. في الآونة الأخيرة، تم تفعيل قاعدة سام مع القراءة الحالية عند 0.53٪، وهو أعلى بمقدار 50 نقطة أساس من العتبة. حيث يتماشى هذا مع البيانات الاقتصادية الضعيفة الأخيرة وتقلبات السوق، مما يعزز المخاوف بشأن الركود الوشيك. إنّ المؤشرات لا تميل دائمًاً إلى إعطاء إشارات صحيحة تاريخيًا بالتأكيد؛ لكن عند دمجها مع الصورة الكلية الشاملة، يمكننا أن نرى أن الصورة أصبحت أكثر وضوحًا.

 

كانت أرقام البطالة بمثابة ضربة قاضية لمعظم المستثمرين المناصرين للسياسة النقدية التوسعية، حيث أضاف الاقتصاد الأمريكي 114 ألف وظيفة فقط في خلال الشهر الماضي، وارتفع معدل البطالة من 3.8% في يونيو (حزيران) إلى 4.3% في يوليو (تموز)، وهو أعلى مستوى له منذ ما يقارب الثلاث سنوات. وقد أدى تقرير الوظائف الضعيف هذا، إلى جانب تقلص نشاط التصنيع، إلى زيادة المخاوف من الركود. ترجم هذا الخوف بارتفاع في مؤشر VIX CBOE، المعروف باسم "مقياس الخوف" والذي يقيس تقلبات سوق الأسهم الامريكية لمدة 30 يوم، إلى 72.94، مما يشير إلى تزايد القلق في السوق الى مستويات غير مسبوقة منذ جائحة كورونا.

 

يرى المتداولون الآن احتمالًا بنسبة 100% بتخفيض سعر الفائدة بمقدار 50 نقطة أساس من قبل البنك المركزي الأمريكي في سبتمبر، مما يعكس المخاوف بشأن اتجاه الاقتصاد. تشير كلوديا سام وخبراء اقتصاديون آخرون إلى أن الاحتياطي الفيدرالي يجب أن يركز بشكل أكبر على دعم سوق العمل وسط ارتفاع معدلات البطالة وعدم اليقين الاقتصادي خصوصًا أن أرقام التضخم باتت أقل من السابق عند مقارنة هذا الربع مع الربعين الأوليين لأميركا.

 

بعد الخسائر الجمة التي تكبدتها أسهم وول ستريت العملاقة، هرع الكثير من المستثمرين لطلب النجدة من بنك الاحتياطي الفيدرالي وقال الكثير منهم إنه من الغباء أن الفيدرالي لم يخفض أسعار الفائدة في الاجتماع الأخير. ومن أشد المطالبين والمنتقدين كان الملياردير ايلون ماسك مؤسس شركة تسلا، التي بدورها، شهدت خسائر كبيرة في الآونة الأخيرة. والجدير بالذكر ان آخرين مثل السيناتور الأميركية إليزابيث وارن طلبت من المحافظ الفيدرالي جيروم بأول أن يقطع إجازته الصيفية وأن يعقد اجتماعًا طارئًا هذا الأسبوع لكي يخفض أسعار الفائدة بمقدار 50 نقطة أساس ويوقف الخسائر في وول ستريت. مع العلم أن يوم الإثنين شهد ارتفاعًا في رهانات السوق الى 70% على أن يجري الفيدرالي تخفيضًا طارئًا، وسجلت رهانات المستثمرين بنسبة 100% على أن يتم الّتخفيض الأول في أيلول المقبل.

 

الخسائر الحادة التي تشهدها الأسواق المالية العالمية في مستهل هذا الأسبوع تُعيد للأذهان "الإثنين الأسود"، وهو الانهيار الذي حدث قبل عقود مضت. "الإثنين الأسود" هو ما أطلق على يوم الانهيار الحاد والمفاجئ لسوق الأسهم الأميركية في 19 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1987، عندما فقد "Dow Jones" الأميركي نحو 22.6% من قيمته في جلسة واحدة، وأثار خسائر أوسع نطاقًا في أسواق الأسهم حول العالم.

 

ما يحدث الآن هو مزيج من الأحداث الجيوسياسية الى جانب المبالغة في تقدير قيمة الأسهم منذ بداية العام الحالي وتعظم آمال حاملي الأسهم الأمريكية بأن الفيدرالي سيقوم بما يقارب 5 الى 6 تخفيضات في أسعار الفائدة في 2024، ولكن اجتماعًا بعد اجتماع كان الفيدرالي يحتاط أكثر فأكثر ويطالب بمشاهدة بيانات تضخم منخفضة مؤجلًا التخفيض في الفوائد على الأموال الفيدرالية، كل هذه الأمور مجتمعة خلقت حالة من الذعر بين المستثمرين وتسببت في موجة بيع واسعة النطاق.

 

 بعد الانهيار المأساوي في 1987، قررت هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية إعادة تقييم لوائح السوق بطريقة من شأنها وقف التداولات بشكل موقّت في حال حدوث انخفاضات كبيرة في السوق لمنع تكرار هذا المشهد في المستقبل. فكانت استجابة الفيدرالي الأميركي في أعقاب ذلك الانهيار "خفض الفائدة بمقدار 50 نقطة أساس" إضافة لضخ مليارات الدولارات في الاقتصاد عبر برنامج "التيسير الكمي"، وهو أحد أدوات السياسة النقدية التي تؤدي إلى زيادة السيولة في النظام المالي والاحتياطات المصرفية من خلال شراء الأوراق المالية الامريكية “US Securities”. شهدت البورصة اليابانية يوم أمس تكرار للمأساة، بعدما تراجع مؤشرها "نيكاي 225" حوالى 12.4% في أسوأ أداء يومي منذ "الإثنين الأسود" في 1987، وسط خسائر حادة سيطرت على الأسواق الآسيوية والأوروبية والأميركية.

 

0 Comments

Other Articles